رواية نحيب الزعتر رواية سعيد غزالة
ربطًا بألم سبق...
كانت رحلة ريان - طفل الجُب - الذي وحد قلوب العالم، وأوقف الزمن لخمسة أيام معدودات، رحلة نحو نصب أيقونة ألم في القلوب والعقول، وفي قراطيس التاريخ والحكايات والخيال... ولأن ريان في رواية "ريان أيقونة ألم" الصادرة سنة 2022 عن دار الوطن للطباعة والنشر، والتي تعرضت لرحلة ريان من عالم الأرض ـ بعد معاناة مع الألم ومعاناة العالم مع الأمل من أجل انتشاله حيًا ـ إلى عالم أخضر... ولأن الموت كان له رأي آخر، حاول فيه الحالم فيّ أن يتقمص ريان الطفل الذي كتب روايته بقلم هذا العبد الضعيف، والذي خرج به ـ هذا الأخير ـ من مجرد الحديث عن حادث، إلى السفر به إلى عالم متخيل (العالم الأخضر)، هذا العالم الذي سيجعل من ريان/ الطيف يحلق عاليًا ليتابع رحلة الجسد الفاني نحو مقبرة القرية المعلقة في الجبل، ومشاركة أحزان الناس والإبقاء على الجسد الهلامي الحالم عائدًا إلى طفولته الموؤودة للرحيل بها عبر نفق انطلاقًا من جب، وأده إلى عالم آخر فوق السحاب غائصًا في المدهش والمندهش والغرائبي...
وهذه الرحلة التي اختلط فيها الألم بالأمل والحقيقة بالحلم، لم تتوقف برحلة ريان إلى الهناك، وطمر حكايته الواقعية، لم تتوقف لأن ريان لم ينتبه وهو يعبر إلى الجنة! أن حكايته ستتكرر، لا لأن أطفالًا سابقوا أجدادهم، فسقطوا سهوا في أجباب، ولكن بسبب زلزال تمطط في منطقة بعيدة البعد كله عن جب ريان المطمور، جنوب البلاد السعيدة في منطقة يطلق عليها: الحوز...
أطفال آخرون وجدوا أنفسهم مطمورين، دون أن يعانوا ألم أو يعبروا نفقًا أو ممرًا، وجدوا أنفسهم وقد انتقلوا بالجملة إلى عالم لا يشبه بلداتهم ولا قراهم أو دواويرهم... عالم من قطن ودهشة.
ولأن الموت ينفذ أوامر القضاء والقدر، فهو لا يفرق بين صغير وكبير، صالح أو طالح، مغتني أو فقير، مؤمن أو كافر، زاهد أو فاجر... إنه ذلك الطائر الكاسر المأمور حاد البصر، السريع عند إصدار الخبر وسلب الحياة بأمر المقتدر.
حرك فيّ ريان أنينًا لم أتخلص منه حتى زاد ضجيجه لما زُلزل الحوز زلزالًا، فتحرك فيّ الكاتب اهتياجًا واحتجاجًا، فبحثت بين أقلامي عن قلم حبر جاف احتفظت به ذكرى لما خطه في حق ريان، وها هو يعاود نشاطه مسافرًا بأطفال الحوز القادمين عبر متخيل إلى العالم الأخضر حاملين معهم حياة لم تبدأ بعد لتنتهي حياة، وتبدأ أخرى عنوانها شواهد قبور وذكرى أليمة.
لم يشأ السارد أن يكون ذاك المخبر أو الناقل للمعلومة، بل كان ذلك الكاتب على الكتابة الماحي لمسكوكها المبرز لمخفيها الذي غيبه الحرص والتقزيم، التورية والتقليل... كتابة تكتب من العمق العميق، لكنها تترك بياضات للقارئ المفترض ليكتب فيها ما غفل عنه السارد، أو أهمله ـ لحاجة في نفس يعقوب ـ هاملًا... تنقل من مدهش لمؤلم، ومن باذخ لمجحف... مسيرة من المتناقضات والمتقابلات التي رسمت خريطة تضامن قل نظيره في بلد سعيد، رغم كل الشظف والكلف وحياة الضنك في حوز غني بمستور مطمور!

Commentaires
Enregistrer un commentaire