Accéder au contenu principal

حوار مع الروائي المغربي عبد الحميد البجوقي بقلم عبد الله المتقي








حوار مع الروائي المغربي عبد الحميد البجوقي

بقلم عبد الله المتقي   

الرواية فعلٌ جمالي في المقام الأول

حاوره: عبد الله المتقي

عبد الحميد البجوقي روائي مغربي، ارتبط في بداياته بحرقة البلد، لترغمه ثقافة الاحتجاج أن يركب البحر في اتجاه المنفي، لتبتلعه الرواية رغبة في جماليتها، ويلبس معطفها كي تتوالى المقامة، ومن رُوِّض الداخل.

ولأنه عاشق للحكي وعوالمه، صدرت له باقة من الروايات، المشي على الريح”، “الجنيس”،” عريس الموت “، وعلى همش صدور روايته “هسيس الغرباء “كان لنا معه هذا الحوار “

1 ـ من أنت يا عبدالحميد في خضم هذه الأوبئة والحروب والتفاهة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟

عبد الحميد البجوقي، مواطن مغربي ارتبط مسرحياته منذ مرحلة الشباب بالقضايا الحارقة المتعلقة بالحرية والعدالة والديموقراطية، أو هذا ما كان يعتقد أنها مهمته كإنسان فاعل يحلم بالتغيير، يحلم بتقليص الفوارق الطبقية، بفضح انتهاكات حقوق الإنسان، بالعدالة الاجتماعية، بالمساواة بين البشر. حلم أو أحلام كبيرة تأججت حين اضطررتُ إلى مغادرة الوطن سنة 1984 بعد انتفاضة شمال المغرب. رحلة المنفى القسري الذي اضطررت له بعد حكم غيابي ب 30 سنة سجنا، لم تنتهي حتى بعد عودتي إلى الوطن سنة 2000. تقاطعت الأحداث وجبهات الفعل ومتاهات التجربة بين السياسي والنقابي، والحقوقي وأخيرا الأدبي والروائي. هذه الأخيرة انطلقت من وحي وفعل التجربة الذاتية، واستمرت كفعل مقاومة لكل أشكال الحيف والظلم والكراهية والعنصرية… بخوض عالم الرواية تركّز اهتمامي بالسؤال المستمر عن الذات والهوية وتعدديتها وتشكلها المستمر.

عبد الحميد، شخص يحاول أن يفهم موقعه في زمنٍ مضطرب. عشتُ مثل كثيرين تجربة سنوات الرصاص، وبعدها النفي والقلق الدائم في زمن تحاصرنا فيه الأوبئة والحروب والتفاهة كما جاءت في تقديمك للسؤال…

انغمستُ في السياسة والشأن العام لا كشعار، بل كحضور يومي في تفاصيل الحياة، في السياسة كما فهمتها في ثمانينيات القرن الماضي. في فهم للسياسة يميل إلى المراقبة أكثر من الادّعاء، وإلى طرح الأسئلة بدل الارتماء في يقينٍ سريع.

لا أقدّم نفسي كبطل، ولا كضحية نموذجية. أنا نتاج تلك المرحلة الصعبة من تاريخ المغرب بكل تناقضاتها. أحاول اليوم أن أحتفظ بعقلي في زمن الاستقطاب وبصوتي في زمن الضجيج وبأسئلتي في عالم يفضّل الأجوبة الجاهزة على قياس الأكلة الجاهزة..

2 ـ من أين أتيت الكتابة، ومن أي باب دخلت محرابها؟

لم تأتني الكتابة من باب الرغبة فقط ولا من شغفٍ جمالي خالص، بل جاءت كحاجة ورغبة في المقاومة.. دخلتُ محرابها حين ضاقت اللغة اليومية عن احتمال ما كنتُ أمرّ به، وحين لم تعد الذات قادرة على البقاء متماسكة، دون أن تُعاد كتابتها.

بدأت الكتابة كمحاولة لترميم الداخل، ثم تحوّلت إلى مساحة مواجهة مع الخوف، مع التشظي ومع ذاكرة كانت مهددة بالتآكل. الرواية لم تكن اختيارًا واعيًا بقدر ما كانت ضرورة؛ لأنها تتّسع للأصوات المنكسرة التي لا لم تعُد تجد مكانها في الخطاب المباشر.

من هناك دخلتُ عالم الكتابة الروائية، وكان المنفى حافزا قويا لخوض التجربة بوصفه حالة من القلق وبوصفه محرّكًا، ومن الحاجة إلى ألا تضيع التجربة بلا أثر. دخلت محراب الكتابة الروائية من باب الصمت أولًا ثم من باب الاعتراف المؤجّل، وما زلت أكتب كمن يحاول أن ينقذ شيئًا من نفسه قبل فوات الأوان.

 3ـ هل أنت راض عن تناول النقد لأعمالك الأدبية ؟ وأين أنت منه؟

بشكل عام، نعم، أنا راضٍ عن تناول النقد لأعمالي الأدبية، وأتعامل معه بوصفه جزءًا أصيلاً من الفعل الإبداعي لا هامشًا له. لدي احترام عميق للنقّاد ولدورهم، وأشعر أحيانًا بالأسف؛ لأن هذا الدور لا يُنصَف بما يكفي، رغم ما يقدّمه من إضاءة حقيقية تسهم في تجويد الفعل الروائي وفتح مسارات جديدة لقراءته.

في الوقت ذاته، أؤمن بأن للناقد مساحته المشروعة، كما أن للروائي حريته ومساحة فعله الخاصة. القواعد التي يقوم عليها نقد الأعمال الروائية والإبداعية عمومًا هي أدوات للفهم والتأويل، لا نصوصًا مقدّسة ولا مواثيق مُلزمة. وربما عن جهلٍ مني بهذه القواعد أحيانًا، أو عن وعيٍ متعمّد أحيانًا أخرى، وجدتُ نفسي أكسرها أو أخرج عن سياجها، انحيازًا لما يفرضه النص عليّ من داخله.

قساوة النقد أو شدّته لا تُزعجني بقدر ما يزعجني غيابه. ما يهمّني هو جدّية القراءة وصدقها، لا درجة الإعجاب أو الاحتفاء. لذلك أنا سعيد بكثرة القراءات النقدية التي خضعت لها أعمالي، بل ممتنّ لكل قلم توقّف عند رواياتي، واشتغل عليها نقديًا، حتى حين لم أكن متفقًا مع خلاصاته. في النهاية، النقد الذي لا يعجبنا يظلّ شكلاً من أشكال الاعتراف بوجود النص وحيويته، وهذا بحدّ ذاته مكسب.

4 ـ تميزت روائيا، ولكن تميزت أيضا بمواقفك مثقفا سياسيا، ألا تكفي الرواية وحدها؟

الرواية فعلٌ جمالي في المقام الأول، ولا أحمّلها أكثر مما تحتمل، ولا أعتقد أنها مطالبة وحدها بأن تقوم بالأدوار كلها. لكنها في الوقت ذاته لا تُكتب في فراغ. الكاتب، مهما حاول الاحتماء بالنص، يظلّ كائنًا يعيش داخل مجتمع، ويتأثر بما يجري فيه ويؤثر فيه، سلبًا أو إيجابًا.

أنا لا أرى بالضرورة أن الجمع بين الفعل الروائي والموقف السياسي شرطٌ أو وصفة جاهزة، فلكل كاتب مساره واختياره. لكنني أؤمن أن المثقف، حين يختار أن يكون حاضرًا في المجال العام، لا يمكن أن يكتفي بدور المنتج للمتعة أو الفرجة، حتى وإن كانت مكتوبة بإتقان. أن يكون للمثقف رأي وموقف، وحساسية تجاه قضايا الناس وأفراحهم وأحزانهم، هو جزء من مسؤوليته الأخلاقية قبل أن يكون موقفًا أيديولوجيًا.

المثقف، في تقديري، ليس خطيبًا ولا ناشطًا بالضرورة، لكنه ضميرٌ يقظ وصانع رأي، وشاهد على زمنه. وحين يتراجع هذا الدور، تتحول الثقافة إلى ترف، وتصبح الكتابة معزولة عن نبض المجتمع مهما بلغت من جمال أو براعة تقنية.

لذلك، إن كان لي حضور كمثقف له مواقف، فهو امتداد طبيعي لكوني كاتبًا يعيش داخل أسئلته وزمنه، لا إضافة مفتعلة ولا رغبة في لعب دور آخر. الرواية تكفيني كنص، نعم، لكن الإنسان الذي يكتبها لا يستطيع ولا ينبغي له أن يكون محايدًا تجاه ما يجري حوله.

 5ـ ما نصيب البجوقي من الرواية؟ من الوطن؟ ومن الحياة؟

نصيبي من الرواية هو القلق الذي لا يهدأ والتشظي والشعور المستمر بالاقتلاع، ونصيبي من الوطن هي تلك المسافةٌ التي تتيح الرؤية، ولا تمنح الطمأنينة، ومن الحياة ما يكفي للاستمرار لا للاكتفاء. أكتب للاعتراف لا لتأجيل الخسارة، وأحبّ كي لا أتحوّل إلى شاهدٍ بارد. هذا حال أدباء المهجر أو المنفى أو كلاهما، يعيشون وهم يعرفون أن النصّ والوطن والحياة، وعودٌ ناقصة… لكن لا بدّ من التمسك بها.

 6ـ ما زال المشي على الريح والموت في المنفى ساري المفعول؟

نعم، ما زال المشي على الريح ساري المفعول، وربما أكثر راهنية اليوم. هذا النص يلامس مسألة الهجرة بوصفها جرحًا مفتوحًا، ويتتبع مصائر أفارقة هاربين من الحروب والأوبئة والدمار، يعبرون من المغرب نحو وهم الخلاص، ليجد كثيرون منهم البحر مقبرةً زرقاء لا شاهدة لها. الرواية تضع هذا الموت في سياقه الأوسع، حيث يُدار الألم بلغة إنسانية في الخطاب وببراغماتية قاسية في الممارسة. لذلك تظل الرواية جزءًا حيًا من ثلاثية المنفى، لأنها لا تحكي ما انتهى، بل ما يتكرّر بصمت.

 7ـ شخصية الكاتب المغربي في رواية عيون المنفى – المورو خايمي، والروائي عبدالحميد البجوقي أية علاقة؟

شخصية المورو خايمي في عيون المنفى لا تمثلني أنا مباشرة، ولا يمكن اعتبار هذه الرواية سيرة ذاتية، رغم أن بعض الأحداث التي ترويها عشتها بالفعل، وبعضها الآخر سمعته أو تخيّلته. العلاقة الوحيدة هي علاقة الكاتب بالواقع الذي يمتص منه خياله.

كل رواياتي تحتوي جزءًا مني، لكنها ليست أنا بمفهومي الكامل، إنها فسيفساء من تجارب منكسرة ومتشظية تتقاطع فيها اللحظات والانفعالات والانكسارات، وكأنني أعيش حيوات متعددة في جسد واحد، بين تطوان ومدريد.. بين الخيال والحقيقة وبين السياسة والأدب. هذه التجارب المتباينة شكّلت هويتي، التي لم أستطع الإمساك بها إلا عبر الكتابة، فالمورو خايمي هو أنا من منظور النص، أي انعكاس للوعي، للشغف، وللكفاح ضد الضياع، لا نسخة مباشرة مني.

8ـ الجنيس أو الإنسان السري رواية\ صرخة فنية ضد العنصرية والتمييز، ما الحكاية؟

الجنيس أو الإنسان السري، يعتبر البعض هذه الرواية صرخة فنية ضد العنصرية والتمييز، لكنها أكثر من مجرد نقد اجتماعي، إنها محاولة لاستكشاف أثر هذه القسوة على الإنسان العادي، على هويته وكرامته. تتناول الرواية قصصاً منسيّة، أشخاصًا يعيشون على هامش المجتمع، محرومين من الاعتراف، مطرودين من أوطانهم، لكنهم يحتفظون بصوتهم الداخلي وصمودهم.

الحكاية ليست وصْفًا مباشرًا للواقع فقط، هي في تقديري محاولة فنية لتفكيك كل أشكال التهميش، العرقي، والثقافي والاجتماعي والديني.. هي صرخة ضد كل منظومة تختزل الإنسان في فئة أو لون، وتجعل من الحرمان والتمييز نصيبًا حتميًا للبعض. الرواية، بهذا المعنى، تعمل على استعادة الإنسان كموضوع، لا ككائن سلبي. هذه المحاولة تصبو التأكيد على قدرة الأدب الوقوف مع الذين لا صوت لهم، بل دوره أن يتحول إلى صوت لمن لا صوت لهم.

 9ـ لماذا اخترت الحفر في جرح الحرب الأهلية ودورها في تأجيج الصراع الديني والثقافي في روايتك (عريس الموت) ؟

اخترت الحفر في جرح الحرب الأهلية الإسبانية ودورها في تأجيج الصراع الديني والثقافي؛ لأن هذه الحرب كانت لحظة فاصلة، ليس فقط في تاريخ إسبانيا، بل في تجربة المغاربة الذين تورطوا فيها بلا وعي، باسم الدين والسلطة. لم يكن هدفي تقديم تاريخ موثق أو سرد وقائع، بل استكشاف أثر هذا الحدث الكبير على الإنسان العادي وعلى المجتمع، وكشف الوجه الإنساني للخديعة التي كان ضحاياها إسبان ومغاربة سُلبت منهم خياراتهم.

رواية عريس الموت تتعامل مع هذا الجرح من منظور مزدوج، تاريخي-تخييلي، حيث تتقاطع الوقائع مع الخيال لإنتاج ذاكرة مضادة، ولتبيان كيف تتحول الصراعات الكبرى إلى قصص شخصية وحكايات إنسانية. من خلال ثنائية الحب والكره التي طبعت الإسبان في علاقتهم بالمغاربة برزت تجربة شاب مغربي من الريف المغربي، وأثر الحرب على وعيه وهويته، وكيف يمكن للفرد أن يتحول بفعل الحب والمعرفة من أداة في لعبة السلطة إلى فاعل مسؤول في سياق بلده وهويته.

بهذه الطريقة، كانت الرواية وسيلة لمواصلة استكشاف تجربتي مع المنفى والعلاقات الملتبسة بين المغرب وإسبانيا، وإعادة النظر في التاريخ من منظور إنساني وأدبي، وليس فقط من منظور سياسي أو وثائقي. هي محاولة لرسم صورة أكثر تعقيدًا وصدقًا عن الحرب، عن التورط وعن الإنسانية وسط صراعات لا يختارها الفرد.

 10ـ دعني أتساءل مع شفيق الزكاري، هل استطاع عبسليمو النصراني تجسيد حريته هاته بوطن الميلاد، ثم بوطن الاستقبال؟

دعني أجيب عن سؤالك مع احترام عميق لإطلالتك على هذا النص. نعم، أعتقد أن رواية “عبسليمو النصراني”، كما قرأها شفيق الزكاري تُجسّد معنى الحرية بوطن الميلاد ثم بوطن الاستقبال، لكن شفيق الزكاري تناولها بطرق دقيقة وشائكة مثلما هي، كحرية كل من اكتوى بنار الغربة والاغتراب، وشفيق عاش تجربة الاغتراب في إسبانيا وكتب عنها.

أكنّ إعجابًا كبيرًا بتفاعل الزكاري مع الرواية، بدقته في التقاط الرسائل الفنية والرمزية وبقدرته على قراءة النص بروح فنان تشكيلي ومبدع متعدد الحسّ، يجمع بين النقد والكتابة والفن البصري. قدرته على إدراك التوتر بين الانتماء والاغتراب، بين الاستقرار والرحيل، تضيف بُعدًا آخر لفهم النص، وتجعل من قراءته نفسها تجربة إبداعية، وليس فقط تحليلًا نقديًا، بل مساحة مشتركة بين القارئ والمبدع.

 11ـ هربت في زورق صغير لتعيش في المنفى خوفا من الاعتقال، والآن إلى أي جغرافية تطير لو كانت لك أجنحة؟

أخي عبد الله المتقي، سأفتح قلبي ـ ربما لأول مرة ـ لأجيبك بكل صراحة. أحسست بألم الاقتلاع بمجرد تفكيري في مغادرتي للمكان، مكان ولادتي وترعرعي، لم أغادر طواعية وبحثًا عن مكان جديد، بل لأرتفع فوق المسافات التي تفصلني عن نفسي، عن وطني وعن الزمن الذي تركته خلفي. المغادرة بالنسبة لي كانت قاسية، لكنها لم تكن هروبًا، بل انتقالًا، تجربة من يحمل الوطن في دواخله لا في الجغرافيا، وطن من الذكريات، من اللغة، من الروائح والأصوات التي تصنع هوية الإنسان.

غادرتُ حيث يمكنني أن أتنفس حرية التفكير، حيث لا يُطلب مني التنازل عن نفسي، ولا أن أُقنع العالم أن حضوري مجرد رقم. بعد عودتي إلى الوطن لم يتوقف الشعور والإحساس بالمغادرة وبالتحليق فوق المدن والبحار، واستمر حالي أحملُ وطنا يكبر بداخلي عابرًا حدود الجغرافيا، متجاوزًا القيود، لأن المنفى لا يُقاس بمكان، بل بالشعور المستمر بأنك تبحث عن نفسك في كل زاوية من العالم، وتعيد بناء وطنك معك حيثما حللت..

 12ـ وأخيرا، الكتابة بوصفها فعلا كيف يراها عبدالحميد البجوقي؟

بالنسبة لي، الكتابة ليست ترفًا ولا مجرد تمرين جمالي، بل فعل حيّ مستمر، وسيلة لفهم العالم وفهم النفس، وطريقة لإعادة تركيب الذات وهويتها.. هي مساحة أواجه فيها أفكاري ومخاوفي وقلقي.. وأعيد فيها ترتيب الشظايا التي تتركها الحياة، والمنفى، والسياسة، والذاكرة.

الكتابة فعل مقاومة، فعل اعتراف وفعل حرية في الوقت ذاته، الكتابة تعني بالنسبة لي الحرية أن تقول ما ترى، أن تشكك، أن تُبدع وأن تصنع معنى وسط فوضى الحياة.. الكتابة في النهاية، هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها أن أكون حاضرًا لنفسي وللعالم، دون أن أكون مجرد شاهد صامت، ودون أن أفقد ما تبقّى من إنسانيتي

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

أسرار التحول الرقمي مفاهيم- استراتيجيات - آليات النجاح

إعلان خاص بالأفلام القصيرة لمهرجان أمم للسينما وحقوق الإنسان